الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

546

مختصر الامثل

التّفسير هذه الآية تشير إلى جانب آخر من ذلك العقبات التي كان يضعها أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) تردّ فيها على منطقهم الواهي الداعي إلى اعتبار التوراة كتاباً متفقاً عليه بين المسلمين واليهود ، وترك القرآن باعتباره موضع خلاف . لذلك فالآية تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله قائلة : « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَيةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبّكُمْ » . وذلك لأنّ هذه الكتب صادرة عن مبدأ واحد وأصولها واحدة . ويعود القرآن ليشير إلى حالة أكثريتهم ، فيقرّر أنّ أكثرهم لا يأخذون العبرة والعظة من هذه الآيات ولا يهتدون بها ، بل إنّهم - لما فيهم من روح العناد - يزدادون في طغيانهم وكفرهم « وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا » . وفي ختام الآية يخفف اللَّه من حزن رسوله صلى الله عليه وآله إزاء تصلّب هذه الأكثرية من المنحرفين وعنادهم فيقول له : « فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ » . هذه الآية ليست مقصورة على اليهود - طبعاً - فالمسلمون أيضاً إذا اكتفوا بادّعاء الإسلام ولم يقيموا تعاليم الأنبياء ، وخاصة ما جاء في كتابهم السماوي ، فلن تكون لهم منزلة ومكانة لا عند اللَّه ، ولا في حياتهم الفردية والاجتماعية . الآية التالية تعود لتقرّر مرّة أخرى هذه الحقيقة ، وتؤكد أنّ جميع الأقوام وأتباع كل المذاهب دون استثناء ، مسلمين كانوا أم يهوداً أم صابئين أم مسيحيين ، لا منقذ لهم من الخوف من المستقبل والحزن على ما فاتهم إلّاإذا آمنوا باللَّه وبيوم الحساب وعملوا صالحاً : « إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَن ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » . « 1 » هذه الآية ردّ قاطع على الذين يظنون النجاة في ظل قومية معينة ، ويفضّلون تعاليم بعض الأنبياء على بعض ، ويتقبّلون الدعوة الدينية على أساس من تعصب قومي ، فتقول الآية إنّ طريق الخلاص ينحصر في نبذ هذه الأقوال . لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) وَحَسِبُوا أَنْ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( 71 )

--> ( 1 ) « الصابئون » : هم أتباع يحيى أو نوح أو إبراهيم .